إيليا – يبدو أن الجزائر تتجه إلى مراجعة سياستها الخارجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما يتضح من التحركات والتصريحات الجزائرية التي تبعث برسائل لواشنطن تؤكد على استعداد الجزائر لتحسين العلاقات وتعزيز التقارب مع إدارة ترامب. وفي هذا السياق، تكثف الجزائر جهودها لكسب ود الرئيس دونالد ترامب، وقد أعلنت أنها “مستعدة لمناقشة” صفقة مع الولايات المتحدة بشأن مواردها الطبيعية والمعدنية الغنية.
وجاء ذلك على لسان السفير الجزائري في واشنطن خلال مقابلة مع إحدى وسائل الإعلام الأمريكية، حيث أعرب صبري بوقادوم، في 9 مارس 2025، عن الرغبة الكبيرة لبلاده في تعميق التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو ما يشير إلى وجود توجه سياسي جزائري جديد يهدف إلى تقريب الجزائر إلى المعسكر الأمريكي، وهو ما يطرح تساؤلات حول دوافع هذا التوجه الجزائري لتعميق التعاون الاقتصادي مع إدارة ترامب في هذا التوقيت.

دوافع عديدة
يبدو أن ثمة عوامل عديدة تقف وراء هذا التوجه الجزائري لتعميق التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة في هذا التوقيت، ومن أبرزها:
1- رغبة الجزائر في استثمار التوجهات الاقتصادية لإدارة ترامب: حيث يأتي هذا التوجه الجزائري في الوقت الذي يضغط فيه دونالد ترامب على الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، منذ عدة أسابيع لهيمنة الولايات المتحدة على المعادن النادرة في أوكرانيا كـ”تعويض مالي” عن المساعدات العسكرية المقدمة لأوكرانيا في عهد إدارة بايدن، في مواجهة التدخل العسكري الروسي. ومنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في 20 يناير 2025، كثّف السفير الجزائري رسائل الانفتاح على الولايات المتحدة، وقال في فبراير خلال مقابلة مع مجلة بيزنس فوكس: “نحن منفتحون ومتفائلون. هدفنا هو تعزيز العلاقات الثنائية والمساهمة في الأمن العالمي”. كما دعا صبري بوقادوم إدارة ترامب إلى الاستفادة من إمكانات الجزائر في الزراعة والطاقة المتجددة والموارد الطبيعية والسياحة.
وفي هذا السياق، أكد بوقادوم أن الجزائر “مستعدة للتحدث” مع الولايات المتحدة بشأن مواردها الطبيعية الوفيرة والمعادن الحيوية التي تحظى بطلب عالمي. وقال بوقادوم: “اسمحوا لي أن أقول بكل وضوح، بصفتي دبلوماسياً أجنبياً، لا تنسوا أننا لا نملك تفضيلات. لذا فإننا نعمل مع [كل] إدارة. وبطبيعة الحال، نحاول بيع إمكاناتنا للإدارة الجديدة. مع الرئيس ترامب، الذي قال إنه يؤيد الصفقات. لذا، سنحاول [مساعدة الإدارة] على رؤية المزايا في الذهاب مع الجزائر”.

2- احتواء أي تحركات أمريكية معادية ضد الجزائر: وخاصة في ضوء مواقف بعض المسؤولين في إدارة ترامب من العلاقات مع الجزائر، ولا سيما موقف وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، الذي دعا في وقت سابق إلى فرض عقوبات على الجزائر بسبب علاقاتها مع روسيا، حيث أرسل روبيو في عام 2022 رسالة إلى وزير الخارجية أنتوني بلينكن يدعو فيها الحكومة الأمريكية إلى فرض عقوبات على الجزائر، أحد أكبر المشترين العالميين للمعدات العسكرية من روسيا. وأعرب نائب رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي -آنذاك- في رسالته عن قلقه الكبير بشأن المشتريات الدفاعية بين الجزائر وروسيا.
3- توجيه رسائل طمأنة عن علاقات التحالف بين الجزائر وروسيا: حيث يمكن القول إنه في ضوء هذه الصورة النمطية الراسخة لدى المسؤولين في إدارة ترامب عن علاقة “التحالف مع موسكو” فإن الجزائر تسعى إلى تجاوز وإسقاط هذه الصورة لدى المسؤولين في إدارة ترامب من خلال التأكيد على أنها منفتحة على تعميق علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، وخاصة بعدما شهدت العلاقات الروسية-الجزائرية تراجعاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة بسبب الخلاف بين الدولتين حول الوجود الروسي في منطقة الساحل الأفريقي، ومخاوف الجزائر إزاء هذا الوجود وتداعياته على أمنها وحدودها الجنوبية.
4- التوصل إلى تفاهمات حول تسوية ملف الصحراء: فخلال ولايته الأولى، اعترف الرئيس ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء، ويخشى الجزائريون أن يفي ترامب بوعده الذي قطعه في ديسمبر 2020 بفتح قنصلية عامة في الداخلة، أو إدراج جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية على القائمة الأمريكية. ومن ثمّ تحاول الجزائر استمالة الموقف الأمريكي ومنعه من اتخاذ إجراءات تصعيدية لصالح المغرب، والتوصل إلى تفاهمات نحو إطلاق جولات للحوار والتفاوض تسمح للجانب الجزائري بتقليص حجم الخسائر السياسية التي يتحملها إزاء استمرار الصراع المغربي-الجزائري حول هذا الملف، لا سيما بعد إعلان باريس دعمها لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء، واتجاه العديد من الدول الأوروبية لدعم المقترح المغربي.
انعكاسات محتملة
من المتوقع أن تنعكس هذه التحركات الجزائرية على السياسة الخارجية الجزائرية وعلاقاتها الدولية والإقليمية، وذلك على النحو التالي:
1- تعزيز التعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة والجزائر: فبرغم الموقف الأمريكي الداعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، والتحالف السياسي والعسكري المتنامي بين الجانبين، فمن المتوقع أن تعمل إدارة ترامب على تعزيز التعاون الاقتصادي مع الجزائر. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، وقعت الوكالة الجزائرية لتثمين المحروقات “النفط” مع شركة شيفرون الأمريكية على اتفاقية استثمارية لإنجاز دراسة حول إمكانات موارد المحروقات في المناطق البحرية التي تقوم بها الشركة الأمريكية المذكورة. ولذلك، من المتوقع أن تعمل إدارة ترامب على تعزيز التعاون الاقتصادي، والاستفادة من الإمكانات الجزائرية في مجال المعادن والنفط.
2- تنامي التوجهات الجزائرية البراجماتية تجاه روسيا: حيث يتضح من هذه التحركات الجزائرية لتعزيز التقارب مع إدارة ترامب أن الجزائر سوف تعمل خلال المرحلة القادمة على اتباع نهج براجماتي في علاقاتها مع موسكو، ولا سيما في ظل التوترات الحالية بشأن الوجود العسكري الروسي في منطقة الساحل والذي يتوقع أن يتوسع خلال الفترة القادمة، ورغبة الجزائر في احتواء أي تحركات أمريكية معادية في هذا الوقت، وخاصة في الوقت الذي تتصاعد فيه أيضاً التهديدات المستمرة من جانب المسؤولين الفرنسيين بفرض عقوبات على الجزائر في سياق التوترات المتنامية بين الدولتين.
3- زيادة التحركات الروسية لتعزيز التقارب مع المغرب: فمن المتوقع أن تثير هذه التحركات الجزائرية تحركات روسية موازية على صعيد تعزيز التقارب الروسي مع المغرب، وخاصة فيما يتعلق بالتنسيق الأمني بين روسيا والمغرب في منطقة الساحل الأفريقي، ومن المتوقع أن يوفر التقارب الروسي- الأمريكي الحالي بيئة ملائمة لتعميق التفاهمات السياسية والأمنية بين الرباط وموسكو في منطقة الساحل، وخاصة في سياق الدور السياسي والأمني المتنامي للمغرب في تلك المنطقة. وقد أكدت تقارير دولية متطابقة عزم المغرب على بناء قاعدة عسكرية في جنوب البلاد لمواجهة التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل، وهذا يفرض على موسكو تنسيق سياستها مع المغرب، ولا سيما في سياق علاقاتها المتوترة مع الجزائر حول المقاربة الأمنية للتعامل مع التطورات في منطقة الساحل.
المصدر : مركز انترريجونال للتحليلات الاستراتيجية + وكالات



