إيليا – اعترفت مصادر رفيعة جدًا في تل أبيب بأنّ التصعيد الإيرانيّ يكشف مدى ثقة القيادة بالجمهوريّة الإسلاميّة، فيما أكّدت المصادر عينها إنّ جيش الاحتلال أخفق في تحقيق النتائج المرجوة في جنوب لبنان، وأنّ حزب الله ما زال يقصف الشمال ويُطلِق المُسيّرات الفتاكّة.
وفي السياق، وبعد هدوءٍ دام نحو شهرين، استؤنفت الحرب بين إيران وإسرائيل ليلة أمس، بإطلاق صواريخ باليستيّةٍ على شمال الكيان، وبالمقابل شنّ الكيان هجماتٍ ضدّ طهران، ونفّذ الإيرانيون تهديدهم وشنّوا وابلاً من القصف ردًا على قصفٍ إسرائيليٍّ لحيّ الضاحية، جنوب بيروت.
وفي محاولةٍ لوقف التصعيد، دعا الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب إيران إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، إلّا أنّه في وقتٍ مبكرٍ من صباح اليوم، اتضح أنّ الجهود باءت بالفشل، وهاجمت إسرائيل إيران، كما أُطلق صاروخٌ باليستيٌّ من اليمن باتجاه إسرائيل، وما زال القصف مستمرًا في ظلّ تعطّل جميع المرافق في إسرائيل.
وامتنعت إسرائيل وإيران عن مهاجمة بعضهما البعض منذ بداية نيسان (أبريل)، بعد إعلان وقف النار. ومع ذلك، سعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باستمرارٍ إلى تجديد الحرب، وشكّك في قدرة الاتفاق الذي يجري مناقشته بين الأمريكيين وإيران على كبح البرنامج النوويّ الإيرانيّ وتلبية التوقعات الإسرائيليّة منه.
ويُعدّ إطلاق الصواريخ الإيرانيّة نتيجةً لتصاعد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله. بعد ظهر أمس، وبعد انتظارٍ قسريٍّ دام أكثر من أسبوعٍ، نفّذت إسرائيل تهديداتها بالهجوم على الضاحية. إلّا أنّ سلاح الجو اكتفى باستهداف عددٍ من الشقق ومقرات حزب الله، في منطقةٍ يبدو أنّ معظم عناصر الحزب قد انسحبوا منها بالفعل.
في مطلع الأسبوع الماضي، منع ترامب نتنياهو من مهاجمة الضاحية في محادثةٍ عُرفت لاحقًا بـ “محادثة الشتائم”، مع ذلك، صعّد حزب الله من هجماته أمس، ففي الأسبوع الماضي، قُتل خمسة ضباط وجنود من الجيش الإسرائيلي في لبنان وأُصيب العشرات. وصباح أمس، أُطلقت صواريخ على المستوطنات الحدودية الشمالية.
وردًا على ذلك، أصدر نتنياهو ووزير الأمن بيانًا يأمران فيه الجيش الإسرائيليّ بمهاجمة الضاحية، ورغم أنّ الهجوم كان محدودًا نسبيًا، إلّا أنّه اكتسب دلالةً رمزيّةَ في ضوء حظر ترامب السابق للهجمات، وقال محلل الشؤون العسكريّة في (هآرتس) العبريّة إنّه “قد يكون هذا التحرك قد تم التنسيق له مسبقًا بين تل أبيب وواشنطن، وعادةً ما يحرص نتنياهو على عدم المبالغة في الضغط على ترامب”.
وشدّدّت المصادر، التي وُصفت بأنّها رفيعة المستوى في تل أبيب، على أنّ التصعيد الإيرانيّ يعكس ثقة القيادة في طهران المتزايدة بإمكانية الضغط على ترامب للتنازل في المفاوضات، مع استمرارها في استفزاز إسرائيل.
وفي هذا السياق، بدأت التوترات تتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فترامب لم يكتفِ بالسعي السافر للخروج من الحرب مع إيران، بل إنّ هناك مسؤولين كبارًا في الإدارة يحاولون النأي بالرئيس وفريقه قدر الإمكان عن فشل مساعي تغيير النظام في طهران، ويبدو أنّ هذا هو السياق الذي استندت إليه سلسلة من التقارير في وسائل الإعلام الأمريكية الموجهة ضدّ إسرائيل، وفي الوقت نفسه، جاء آخر هذه التقارير في صحيفة (نيويورك تايمز)، حيث زعمت أنّ إسرائيل تجسست على أمريكيين لكشف تفاصيل سريّةٍ حول المفاوضات الجارية مع إيران.
أمّا بالنسبة للمفاوضات نفسها، فبحسب تقريرٍ مفصلٍ نشرته صحيفة (وول ستريت جورنال)، فإن أحد أبرز العقبات أمام التوصل إلى اتفاقٍ يتمثل في مطالبة إيران بالإفراج الفوريّ عن عشرات المليارات من الدولارات المجمدة في بنوك بالخارج بسبب العقوبات الأمريكيّة، ويبدو هذا التنازل صعبًا للغاية بالنسبة لترامب، لا سيما بعد أنْ انتقد بشدّةٍ الرئيس باراك أوباما عندما سمح الأخير بالإفراج عن الأموال بطريقةٍ مماثلةٍ عام 2016، عقب الاتفاق النوويّ.
والآن، مع تجدد التوتر بين إسرائيل وإيران، قد تُجرّ الولايات المتحدة إلى الصراع مجددًا، ويتعيّن على ترامب أنْ يأخذ في الحسبان بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تنطلق يوم الخميس، والولايات المتحدة إحدى الدول المضيفة لها، ومن شأن أيّ تصعيدٍ في الخليج أنْ يصرف الأنظار عن هذا الحدث الذي يوليه الرئيس أهميةً بالغةً.
وطبقًا للمصادر عينها، فإنّه فيما يتعلق بلبنان، لا بُدّ من الاعتراف بأنّ التحركات الإسرائيليّة هناك لا تُحقق النتائج المرجوة. فعلى الرغم من القصف المكثف لمواقع حزب الله ومخازن أسلحته في جنوب لبنان، لم يُحقق الجيش الإسرائيليّ أهدافه ضدّ الحزب، الذي يواصل استخدام الطائرات المسيّرة المفخخة بفعاليّةٍ، ما يُسفر بانتظامٍ عن خسائر في صفوف الإسرائيليين.
واختتمت المصادر: “بالأمس، وبعد تسريباتٍ من المستويات السياسية، كشف الجيش الإسرائيليّ أن السيطرة على قلعة البوفور تضمنت استهداف شبكةٍ من مخابئ حزب الله ومقراته في المنطقة، لكن هذه ليست خطوةً إستراتيجيّةً، ومحاولة استغلال انكشاف المخابئ بحد ذاتها تُبرز الصعوبات التي واجهتها التحركات الإسرائيليّة في لبنان.”



